كتب عمرو عدلي أن عملية «طوفان الأقصى» أثبتت، بعد ثلاث سنوات على انطلاقها، أنها كانت أقرب إلى دوامة منها إلى طوفان؛ إذ جذبت المنطقة بأكملها إلى دورات لا تنتهي من الصراع العسكري والعداء السياسي، يغذي كل منها الآخر. ويرى عدلي أن اتخاذ موقف نقدي من 7 أكتوبر لا يعني التنصل من القضية الفلسطينية أو الحياد تجاهها، بل ينطلق من الالتزام بها، ومن ضرورة مساءلة القرار نفسه، والسياق الذي اتُخذ ونُفذ فيه، والنتائج التي ترتبت عليه.
ويؤكد الكاتب أن التاريخ الحديث يثبت أن تفكيك مشروعات الاستعمار الاستيطاني لم يحدث إلا في سياق نضالات طويلة جمعت بين المقاومة المسلحة وأشكال المقاومة السلمية، وغالبًا ما جاءت هذه التحولات بتكلفة بشرية هائلة ومؤلمة. ومن ثم، فإن دعم المقاومة لا يتعارض بالضرورة مع إخضاعها للتدقيق والنقد.
ولا يرى عدلي أن النقد يمثل خلافًا على مبدأ المقاومة، أو إنكارًا لحقيقة أن الفلسطينيين عاشوا تحت الاحتلال لنحو ستة عقود، ولا يعني مطالبتهم بالامتناع عن أي تحرك خشية أن يؤدي إلى تدهور أوضاعهم. فمثل هذا الموقف سيعني عمليًا مطالبة الفلسطينيين بقبول واقع يتدهور ببطء حتى لا يتدهور بسرعة.
ويتركز النقد، بحسب الكاتب، على القرار الذي اتُخذ في 7 أكتوبر، والظروف التي أحاطت به، والنتائج التي ترتبت عليه. ولا تمثل هذه المقاربة تبريرًا شاملًا لحركات المقاومة المسلحة في غزة أو خارجها، لأن مثل هذا التبرير يتناقض مع المجهود الفكري والالتزام الأخلاقي اللذين يتطلبهما اتخاذ موقف نقدي.
غياب الأفق السياسي وسوء تقدير موازين القوة
يقول عدلي إن أكثر ما لفت انتباهه في 7 أكتوبر، بعد أسابيع قليلة من انطلاق العملية، كان غياب أي أفق سياسي واضح لدى من قرروا تنفيذها. والاستثناء الوحيد، في رأيه، كان السعي إلى عرقلة اتفاقات أبراهام، وعلى رأسها منع السعودية من الانضمام إليها، إلى جانب وقف مسار التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل، وما كان سيترتب عليه من تطبيع للاحتلال وترسيخه بأقل تكلفة ممكنة على إسرائيل.
لكن الأحداث اللاحقة أظهرت، بحسب الكاتب، أن رهانات العملية أخطأت تقديرها. فقد راهنت على إمكانية هزيمة إسرائيل عسكريًا، وعلى دخول ما يسمى «محور المقاومة» إلى جانب حماس بكامل ثقله منذ البداية، كما افترضت أن الولايات المتحدة لن تنحاز بالكامل إلى إسرائيل في حملة عسكرية طويلة، أعلن قادتها أن هدفها يشمل التطهير العرقي في غزة وشمال الضفة الغربية، ثم امتدت تداعياتها إلى جنوب لبنان وجنوب سوريا.
ويضيف الكاتب أن العملية أخطأت كذلك في تقدير قدرة الإسرائيليين على الصمود في مواجهة حرب طويلة ومتعددة الجبهات. والأكثر خطورة كان تجاهل قدرة غزة على التحمل إنسانيًا، في ظل موقع جغرافي وديموغرافي وسياسي حرم القطاع من أي عمق استراتيجي حقيقي، سواء لمواصلة المقاومة المسلحة بفاعلية أو لتوفير الغذاء للسكان.
وقد أُجبر سكان غزة على النزوح من منازلهم مرارًا، قبل أن يواجهوا مجاعة استمرت أشهرًا، ويصفها الكاتب بأنها مجاعة هندستها إسرائيل.
ومن هذا المنظور، يصف عدلي «طوفان الأقصى» بأنه عملية انتحارية بالنسبة إلى إسرائيل، فجّرت حماس نفسها وغزة معها. ويقول إن هدف العملية لم يكن تفكيك اتفاقات أبراهام وحدها، بل نسف النظام الإقليمي القائم برمته، وهو ما نجحت فيه بصورة لافتة، لكن على حساب الجميع.
وكان «محور المقاومة» أول من دفع الثمن، بعدما تلقى ضربات موجعة، وربما قاتلة، في لبنان وسوريا وغزة بطبيعة الحال.
بل إن «الطوفان» نقل الحرب إلى إيران نفسها، رغم أن استراتيجية النظام في طهران قامت طويلًا على تجنب المواجهة المباشرة. وفي النهاية، دفع الفلسطينيون الثمن الأكبر.
ففي غزة، قُتل أو أُصيب أكثر من 10 في المائة من السكان، بينما فقد الفلسطينيون السيطرة على 60 في المائة من أراضي القطاع، التي أصبحت تحت الاحتلال الإسرائيلي. وفي الضفة الغربية، تسارعت وتيرة التوسع الاستيطاني والتهجير القسري إلى مستويات غير مسبوقة خلال عقود الاحتلال الستة.
من غزة إلى الخليج.. ثمن المقامرة يتسع
لم يتوقف الثمن عند الفلسطينيين، بل امتد إلى ما يسمى الدول العربية «المعتدلة». فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، تدهورت البيئة الأمنية والاقتصادية في الخليج بصورة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر.
وكشفت الحرب حدود الترتيبات الأمنية التي بنتها دول الخليج مع واشنطن خلال السنوات الماضية، كما أثارت علامات استفهام حقيقية حول المستقبل الاقتصادي والسياسي لهذه المنطقة.
أما مصر والأردن، وهما الدولتان العربيتان صاحبتا أقدم معاهدات السلام المستقرة مع إسرائيل، فقد تعرض نظامهما الإقليمي أيضًا لهزة كبيرة. وأصبح مستقبل علاقاتهما مع إسرائيل مرتبطًا بأي ترتيبات قد تُفرض بشأن التطهير العرقي في غزة والضفة الغربية.
ويرى الكاتب أن هذه الترتيبات، إذا مضت قدمًا، لن تأتي إلا على حساب الأمن القومي لهاتين الدولتين، وربما على حساب وجود كيان سياسي مثل الأردن نفسه.
وفي إسرائيل، تفاقمت الأزمة الداخلية التي كانت حادة أصلًا قبل 7 أكتوبر. فقد تداخلت الانقسامات الأيديولوجية والإثنية مع الصراع الذي تخوضه إسرائيل باعتبارها دولة قامت على مشروع استعماري استيطاني نشط، يسعى إلى القضاء على السكان الأصليين أو تقليص وجودهم إلى أقصى حد ممكن باعتباره شرطًا لبقاء الدولة.
وظهر هذا الصراع بوضوح في الجدل حول تجنيد اليهود الحريديم، وكذلك في المواقف تجاه الأحزاب العربية، وسط انقسام عميق بين الناخبين اليهود بشأن مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي مع اقتراب الانتخابات العامة.
كما أدت حالة الصراع الدائم التي دخلتها إسرائيل إلى تآكل مكانتها الدولية. فقد انهارت بصورة شبه كاملة الصورة التي كانت إسرائيل تتمتع بها قبل «طوفان الأقصى»، والتي قامت على إمكانية تطبيع الاحتلال والاستيطان داخل المنطقة وخارجها.
وظهر هذا التحول في الإجماع الدولي المتزايد حول مبدأ إقامة دولة فلسطينية خلال مؤتمر حل الدولتين الذي قادته فرنسا والسعودية بصورة مشتركة، وجاء بعد موجة من الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، انضمت إليها بريطانيا وكندا وأستراليا.
وفي المقابل، توقف مسار التطبيع العربي والإسلامي في غياب حل للقضية الفلسطينية. والاستثناء الوحيد كان كازاخستان، التي انضمت إلى اتفاقات أبراهام في نوفمبر 2025، وهي دولة لا تتمتع بثقل إقليمي كبير خارج آسيا الوسطى.
إسرائيل والولايات المتحدة أمام نظام إقليمي جديد
داخل الولايات المتحدة نفسها، بدأ الإجماع السياسي المؤيد لإسرائيل يتصدع بصورة واضحة. وانتقل الموقف من الحرب والإبادة الجماعية إلى قلب الاستقطاب الأيديولوجي الأمريكي، مع مؤشرات على احتمال تشكل إجماع مضاد لإسرائيل إذا أخذنا في الاعتبار المسار الذي تتجه إليه المواقف المناهضة للصهيونية، سواء على يسار الحزب الديمقراطي أو على يمين الحزب الجمهوري.
كما أدت «طوفان الأقصى» والحرب التي اندلعت لاحقًا مع إيران إلى تفكيك جوانب أساسية من البنية الأمنية الأمريكية في المنطقة، ولا سيما ما يتعلق بحرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي والوجود العسكري الأمريكي في الخارج.
وعمّقت هذه التطورات أيضًا أزمة أوروبا، في ظل اعتمادها الكبير على الطاقة المستوردة، ولا سيما منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022.
ويحذر عدلي من أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في تحليل التاريخ، وهو قراءة الماضي بأثر رجعي والحكم على الأحداث وفقًا لما جاء بعدها بدلًا من النظر إليها في سياقها وقت وقوعها. ويرى أن التاريخ على الأرجح لا يتحرك وفق منطق واحد يحكم جميع أحداثه.
فخطط صناع القرار وتقديراتهم قد تكون أقل أهمية مما نتصور، لأنهم كثيرًا ما يخطئون في حساباتهم، أو يقودون الأحداث إلى نتائج لم تكن تخطر أصلًا في أذهانهم.
وقد تكون أحداث 7 أكتوبر نموذجًا واضحًا على هذه الحدود التي تواجه تحليل التاريخ. فإذا كان الهدف من العملية هو تفكيك الترتيبات والعلاقات القائمة التي اعتقد البعض أنها يمكن أن تستمر بينما يجري تطبيع حياة الفلسطينيين تحت احتلال دائم، فإن هذا الهدف تحقق بنجاح لا مثيل له.
لكن السؤال الأصعب يظل متعلقًا بما سيحل محل تلك الترتيبات، ليس في المنطقة وحدها، بل في نظام عالمي يبدو أنه يتغير تحت وطأة الصراعات في الخليج وأوروبا الشرقية، وربما في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي مستقبلًا.
ويختتم الكاتب بالقول إن المشهد الجديد لم يكشف بعد عن أبطاله.
https://almanassa.com/en/stories/34304

